يحصي ساهر أحمد، في تقريره عن مصيف رأس البر، ملامح التحول الذي يهدد الطابع الشعبي للمدينة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بالبحر المتوسط، بعدما باتت الإقامة فيها عبئًا متزايدًا على أصحاب الدخول المحدودة. ويُعد محمود عوض، الموظف الإداري في مدرسة خاصة بمدينة طنطا، من المحظوظين نسبيًا بين مصطافي رأس البر، إذ لا يزال قادرًا على تحمل تكلفة المبيت في المدينة، بينما اضطر آخرون إلى التخلي عن لياليهم في المصيف القديم، وتحول موسمهم إلى يوم واحد ينتهي مع غروب الشمس.
وتكشف المنصة، في تقريرها من رأس البر، مدى تراجع قدرة المصريين من أصحاب الدخول المحدودة على الحفاظ على مكانهم في المصيف الشعبي القديم. ورغم أن المدينة لم تتخلَّ بالكامل عن طابعها كوجهة صيفية للطبقة العاملة وأصحاب الإمكانات المحدودة، فإن شبه الجزيرة التابعة لمحافظة دمياط تقف على أعتاب تحول واسع قد يحرم محمود وأمثاله من الأيام القليلة التي يقضونها على الشاطئ المفتوح، أو يتجولون خلالها في شارع النيل، أو يجلسون مساءً على اللسان لمتابعة غروب الشمس.
اقتصرَت إقامة محمود هذا العام على ثلاثة أيام فقط. ويبلغ إيجار «العِشّة» التقليدية، التي كانت في الماضي كوخًا خشبيًا وأصبحت الآن في الغالب شاليهًا يضم غرفتين وصالة، نحو 1200 جنيه لليلة الواحدة. ومع إضافة عمولة السمسار و250 جنيهًا أخرى لشحن كارت الكهرباء، تتراكم التكلفة سريعًا بما يجعل الإقامة لفترة أطول أمرًا مرهقًا.
وبهذه الأسعار، قد يكون صيف 2026، الذي يقترب من نهايته، آخر موسم لرأس البر بصفتها مصيفًا للطبقة العاملة. وينتظر مشترون تسلم وحداتهم في مشروع «دوراي باي» الفاخر عام 2027، بسعر لا يقل عن 7 ملايين جنيه للوحدة الواحدة. ومن شأن هذه الأسعار جذب شريحة اجتماعية جديدة إلى المدينة، قوامها ملاك المنازل بدلًا من النزلاء، لينضموا إلى رواد فندق شتايجنبرجر الذي افتتح قبل سنوات واستحوذ على إطلالة بانورامية على نقطة التقاء البحر المتوسط بنهر النيل.
كيف تحوّل صيف رأس البر من الإقامة إلى الرحلات اليومية؟
يقارن محمود بين إقامته القصيرة هذا العام وما اعتاد عليه في السابق؛ فقد كان يقضي نصف شهر أغسطس في عِشّة يستأجرها والده، ثم تراجعت الإقامة إلى أسبوع خلال السنوات الأولى من زواجه، قبل أن تختصر هذا الصيف إلى ثلاث ليالٍ فقط يقضيها مع زوجته وابنتيه.
وتبدأ أسعار العشش في صيف 2026 من 500 جنيه لليلة للوحدات الأقل تجهيزًا والبعيدة عن المياه، بينما يصل متوسط الإيجار إلى 3000 جنيه للوحدات القريبة من الشاطئ. وتتراوح أسعار غرف الفنادق بين 600 و4000 جنيه.
وأظهرت عينة من إعلانات موقع «دوبيزل» في مطلع سبتمبر أن معظم الوحدات المعروضة المكونة من غرفتين تراوحت أسعارها بين 800 و1400 جنيه يوميًا، بينما وصلت أسعار الوحدات الأكبر القريبة من اللسان إلى 2000 جنيه.
وتتراوح تكلفة الإقامة لمدة أسبوع، بناءً على ذلك، بين 5600 و9800 جنيه، أي ما يعادل 70% إلى 122% من الحد الأدنى للرواتب البالغ 8000 جنيه، وذلك قبل احتساب تكاليف المواصلات والطعام والخدمات الأخرى.
وأعلنت الحكومة في أبريل زيادة الحد الأدنى للرواتب للعاملين في القطاع العام والجهاز الإداري للدولة، وبدأت تطبيق الزيادة في يوليو.
ومع ارتفاع الإيجارات وتضاعف تكلفة قضاء العطلة، تحولت رأس البر، في نظر غالبية زوارها، إلى وجهة للرحلات اليومية، خصوصًا القادمين من محافظات الدلتا الأقرب. ومن بينهم عبد المنعم السيد، الذي يعول أسرة من ستة أفراد ويعمل في شركة للأسمدة بمدينة نبروه في الدقهلية.
ومنذ صيف 2019، يصطحب عبد المنعم أسرته إلى رأس البر لقضاء يوم واحد فقط، تفاديًا لدفع إيجار يصفه بأنه «مبالغ فيه». وقال للمنصة آنذاك إن «السعر المعتاد كان يتراوح بين 300 و500 جنيه لليلة، ويصل إلى 1500 جنيه للوحدات القريبة من المياه».
ويتبع عادل الحسيني، حارس أمن في شركة خاصة، النهج نفسه، إذ يبدأ يومه مع أول ضوء وينتهي عند غروب الشمس. وأتاح له هذا النمط زيارة رأس البر خمس مرات خلال هذا الصيف. وفي كل مرة يقضي يومًا مع شقيقاته وأسرهن، في رحلة تبدأ باستئجار ميكروباص من ديرب نجم بالشرقية لنقل أفراد الأسرة الممتدة، وعددهم 11 شخصًا، إلى جانب كراسي الشاطئ والطعام الذي أعدوه مسبقًا.
وقال الحسيني للمنصة: «رأس البر لسه المصيف الأساسي، بس لازم تيجي مجهز»، موضحًا خطته لخفض التكاليف إلى أقصى حد. وأضاف: «العربية بنقسمها، والأكل من البيت، وبنقعد في الشط المجاني. لو كل واحد اشترى غدا وقعد على كافيه وأجر شمسية، اليوم هيبوظ».
ويمكن رؤية ما يصفه الحسيني بسهولة على الرمال، خصوصًا في الطعام؛ إذ تحمل العائلات أطباق الطعام المنزلي الذي أعدته معًا، وتتوسطها أواني المحشي من الفلفل والكوسة، إلى جانب ما تسمح الشواطئ العامة بإدخاله، وكل ما يحتاجه قضاء يوم على البحر دون تكلفة إضافية، من كولدير المياه وأباريق العصير المعد في المنزل إلى أكياس الفاكهة.
زحف «الساحل الشرير» يرفع تكلفة الجلوس على الشاطئ
إلى جانب ارتفاع إيجارات العشش، أخذت مجموعة من التكاليف تصبغ المدينة تدريجيًا بألوان «الساحل الشرير»، في إشارة إلى ريفييرا الساحل الشمالي المصرية المغلقة أمام غير القادرين على تحمل تكلفتها. وترتبط غالبية هذه التكاليف بقضاء يوم على الشاطئ، ما يعزز تحول رأس البر إلى مدينة يقصدها الزائر ليوم واحد فقط.
واحتاج محمود إلى 300 جنيه لاستئجار شمسية وأربع كراسٍ، وهو ما يثير ضحكه. وقال: «رأس البر لسه قريبة مننا، بس القعدة نفسها بقت بعيدة».
وأوضح أحمد، وهو شاب في العشرينيات يدير نقطة لتأجير الشماسي والكراسي على أحد أجزاء شاطئ 77، للمنصة أن سعر المجموعة يبدأ من 100 جنيه في الأيام الهادئة، ويرتفع مع زيادة الإقبال وبحسب قربها من المياه.
وينخفض السعر إذا كنت تقيم داخل المدينة. وقال أحمد: «اللي بيقول دفعت 300 ولا 350 جنيه في الأسبوع ممكن يكون حاجز نفس الطقم طول الأسبوع وعامل اتفاق. غير اللي جاي الجمعة وعايز الصف الأول.. وطبعا العمال بيزودوا لما يلاقوا الزحمة».
ويتكرر الاتهام الموجه إلى السماسرة بين المصطافين، إذ يعتبرهم بعضهم السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار وتحول المكان إلى مصيف لمن يستطيع تحمل تكلفته. وذهب أحد رواد المدينة إلى طرح مقترح في مجموعات حجز العشش على فيسبوك، دعا فيه الملاك إلى تأجير وحداتهم مباشرة، حتى تستعيد المدينة «سمعتها التي فقدتها بسبب الجشع وسوء المعاملة».
ورد أحد السماسرة بسخرية بأن من يرفض دفع 3000 جنيه مقابل شقة مكيفة في الصف الأول يمكنه البحث عن وحدة بـ300 جنيه في مكان أبعد.
وقال علي سليم (اسم مستعار)، مالك مكتب عقارات صغير قرب شارع 77، ردًا على اتهام السماسرة برفع الأسعار والاستيلاء على الفارق بين السعر الذي يطلبه المالك وما يدفعه المستأجر: «الناس بتقول إن السماسرة ولّعوا السعر. طب هو طالب أول مطل وأسانسير وتكييف وعايز يدفع 500 جنيه».
ويعمل علي منذ 14 عامًا عبر هاتف ممتلئ بصور الوحدات المعروضة للإيجار، من شقق داخلية مؤثثة بأثاث قديم إلى وحدات جديدة واسعة ومكيفة تطل مباشرة على البحر. وقال للمنصة إن أسعار الشقق الداخلية المقبولة تبدأ هذا الموسم من 700 أو 800 جنيه، بينما تتجاوز أسعار وحدات الصف الأول 2000 جنيه، خصوصًا خلال عطلات نهاية الأسبوع.
ويقر علي بأن مدة الحجز تقلصت. وقال: «زمان الزبون كان يسأل عن 15 يوم، وبعدها بقينا في الأسبوع. دلوقتي أغلب الكلام ليلتين وتلاتة».
شواطئ داخل الشاطئ.. من يملك رأس البر؟
أسهمت سياسة التوسع في تأجير الأجزاء المطلة على البحر من الشواطئ للكافيتريات الخاصة في تآكل الطابع الشعبي للمدينة، رغم أن معظم الشواطئ لا تزال، من الناحية الاسمية، عامة ومجانية. وتستحوذ الكافيتريات على تلك المساحات وتتحكم في تكلفة الجلوس أمام البحر، سواء تحت الشماسي أو في المساحات المحيطة بها، التي تشغلها الطاولات والكراسي والشاشات العملاقة، إلى درجة لا تترك مجالًا كافيًا للحركة أو اللعب.
ورفعت محافظة دمياط هذا العام إيجارات مشغلي الكافيتريات بنسبة 25% دفعة واحدة، وسط توقعات بأن تنتقل هذه الزيادة، بطبيعة الحال، إلى أسعار الخدمات التي يبيعونها للمصطافين.
ولا يمكن تجنب هذه التكاليف إلا بالابتعاد عن المياه واللجوء إلى الجزء المجاني من الشاطئ، وإحضار الشماسي والكراسي الخاصة، ثم البحث عن منفذ يصل إلى البحر. وهذا هو الخيار الذي اتخذته سيدة في الأربعينيات، قضت اليوم على الشاطئ مع شقيقتيها وأطفالهما. وقالت للمنصة مازحة: «إحنا سألنا الأول فين الجزء المجاني. لو هادفع 300 جنيه عشان أقعد قدام البحر، أفرش ورا وأشوفه برضه».
ويرى المعماري والباحث عمرو أبو طويلة أن التوسع في تأجير الشواطئ للكافيهات، بالتوازي مع تدفق الاستثمارات إلى مشروعات السياحة الفاخرة في المدينة، يمثلان وجهين للمنطق الاقتصادي نفسه، وهو التوسع في الاستثمار العقاري. وقال للمنصة: «الدولة عمومًا تحولت إلى مطور عقاري أكثر من كونها مقدم خدمات». وبحسب رؤيته، يوجّه هذا المنطق عمل مؤسسات الدولة وطريقة استخدام مواردها.
ويلفت أبو طويلة إلى أن السياسة الحاكمة للتوجه العام تتمثل في استرداد الأموال من العمليات العقارية بعائد سريع وإعادة ضخها في دورة الاستثمار. ولهذا، بحسب قوله، نشهد تدفقات استثمارية كبيرة وانتشار الكافيهات على الشواطئ، باعتبارهما محاولتين لتعظيم العائد من الأراضي والعقارات، وبالتالي استهداف أصحاب القدرة على الإنفاق. ويقول إن النتيجة ستسرع «الإحلال الطبقي»، بحيث تحل طبقة جديدة محل زوار المدينة من الطبقة العاملة.
وتكفي جولة على ما تبقى من الشريط الساحلي لإظهار مدى سيطرة الشواطئ المؤجرة للقطاع الخاص على ساحل رأس البر، والفارق الواضح في كثافة الزوار بين هذه الشواطئ وتلك التي لا تزال مجانية بالكامل، خصوصًا بعدما أعلنت المكاتب المركزية لمحافظة دمياط العام الماضي طرح حق الانتفاع بالشواطئ لمدة عشر سنوات أمام القطاع الخاص في مزاد.
وأظهر مسح ميداني أجرته مؤسسة «الإنسان والمدينة للبحوث الاجتماعية» (HCSR) أن معظم شواطئ رأس البر مؤجرة، وأن البحر أصبح محجوبًا عن المصطافين على امتداد 43.9% من إجمالي طول الشاطئ البالغ 4.56 كيلومتر.
ولا تقتصر أسباب إغلاق أجزاء من البحر أمام المصطافين على الكافيتريات. فهناك شواطئ مغلقة، هي شاطئ القوات المسلحة والنخيل والخليج، ولا تسمح بدخول المصطافين إلا بتذاكر تصل إلى 150 جنيهًا للفرد. كما ظهرت ثلاثة شواطئ خاصة مرتبطة باستثمارات تشارك الدولة نفسها فيها، وهي شواطئ شتايجنبرجر وأركان ودوراي باي.
ويعود أول هذه المشروعات إلى سلسلة الفنادق العالمية، التي استحوذت قبل سبع سنوات على أبرز موقع في المدينة باعتبارها أول منشأة فندقية من فئة الخمس نجوم في منطقة الدلتا الوسطى، وافتتحها الرئيس بنفسه عام 2019.
وحصلت الشركة القابضة للسياحة والفنادق على الموقع بحق انتفاع لمدة 49 عامًا، وأسندت الإدارة إلى شتايجنبرجر، التي قالت عند الافتتاح إن الفندق يستهدف «الشريحة العليا من السوق».
وافتتحت الشركة القابضة منطقة الشاطئ التابعة للفندق في سبتمبر 2020، بعد تطويرها بتكلفة بلغت 10 ملايين جنيه، لتخدم نزلاء الفندق باعتبارها شاطئًا خاصًا، مع السماح أيضًا بدخول زوار من خارج الفندق. وتعمل الدولة على افتتاح ملحق لفندق شتايجنبرجر اللسان بحلول عام 2027، لتلبية الطلب المتزايد على الإقامة السياحية الراقية في رأس البر.
أما شاطئ أركان، فيتبع الفندق الذي يحمل الاسم نفسه، وهو أيضًا تحت مظلة الشركة القابضة، وتديره شركة أركان لإدارة الفنادق والمنتجعات، وتبلغ قيمته 125 مليون جنيه. ولم يُفتتح الشاطئ حتى الآن.
ويرتبط الشاطئ الثالث بمجمع دوراي باي الفاخر، المملوك لشركة MBG، ويمتد المشروع كيلومترًا واحدًا على الساحل، ولم يُفتتح هو الآخر، رغم أنه بدأ استقبال الزوار في مطعم ومقهى راقٍ داخل المشروع في يوليو.
ويتشابه أركان ودوراي باي في التصميم، إذ يضم كل منهما منصة خشبية مرتفعة فوق الرمال أمام الشاطئ، تعلوها عوارض تتدلى منها المصابيح. ويقدم ذلك مشهدًا مختلفًا عن كافيتريات الشواطئ الشعبية ذات الحواجز الخشبية القديمة والكراسي البلاستيكية المكدسة أمامها، ويقترب بدرجة أكبر من شكل الشواطئ الخاصة والمنتجعات الفاخرة في الساحل الشمالي.
ويجسد دوراي باي، قبل غيره، شكل رأس البر الجديدة. ولا يتجاوز تأثيره حدود الشاطئ الخاص، إذ يمثل أيضًا مشروعًا سكنيًا يضم وحدات تتراوح مساحاتها بين 60 و300 متر مربع، ويشكل الخطوة الأولى في «غزو» المدينة الشعبية من جانب الشريحة الأعلى دخلًا. ولن يأتي هؤلاء لاستئجار وحدات والإقامة لفترة، كما يحدث في شتايجنبرجر وأركان، بل سيأتون بصفتهم ملاكًا.
وتتضح ضخامة التحول أكثر عند تذكر أن سجل شركة MBG بأكمله يضم مشروعات فاخرة في العاصمة الإدارية الجديدة، وأن الشركة أعلنت في يوليو اتفاقًا مع هيلتون لبناء فندق يضم 160 غرفة داخل المجمع، بهدف تعزيز جاذبيته أمام المستثمرين.
وسيترك محمود العِشّة التي استأجرها عامًا بعد عام في أحد شوارع رأس البر المألوفة، الممتدة من 101 إلى 77 و64، وصولًا إلى السوق وشاطئ المديرية، بعد انتهاء لياليه الثلاث. وربما يترك ما تبقى من رصيد الكهرباء الذي اشتراه داخل العداد، على أمل العودة في العام المقبل.
وقال محمود: «ربنا يسهل. يمكن نرجع يوم واحد ولا يومين».

